دور الأدب في تعميق الثقافة.. رؤية لتاريخ الأدب وتأثيره

كتابة كتّاب محتويات - آخر تحديث: 25 نوفمبر 2019 , 22:11
دور الأدب في تعميق الثقافة.. رؤية لتاريخ الأدب وتأثيره

يستخدم الكثير من الأشخاص مصطلح “متعلم” كدلالة على الثقافة، ولكنّ الواقع يقول أن التعليم والثقافة ليسا مرادفين لمعنى واحد، فمثقّف قد يكون حظه من التعليم بسيطًا، والمتعلم قد يكون شديد الانغلاق وبعيدًا عن منابع الثقافة، وإن أردنا أن نضع يدنا فوق الخطوة الأولى باتجاه الثقافة فهي الأدب، حيث نجد دور الأدب في تعميق الثقافة مُتجذّر منذ القدم وحتى اليوم.

يقولون: دور الأدب للترفيه والكتب للثقافة.. أخطأوا

هنالك مبادئ شديدة الانتشار في الكثير من المجتمعات تقلّل من دور الأدب في تعميق الثقافة، فالرواية، والقصة القصيرة، والشعر، والبلاغة وغيرها من الأنواع الأدبية تعتبر للترفيه، بينما يسود الاعتقاد بأن الكتب السرديّة الحاملة للمعلومات الخالصة هي ما يبني ويعمّق الثقافة.

والحقيقة أن هذه النظرة غير موضوعيّة، فهنالك كتاب جيد وآخر رديء وليس هناك لون أدبي بشكل كامل أقل أهمية من غيره، فالكتاب السرديّ الجديّ العميق قد يحمل من المعلومات ما هو مغلوط أو ما يدسّ السُمّ في العسل فيكون ضرره أكبر من نفعه.

بينما الكتاب الأدبي في شكل رواية أو قصة قصيرة قد يحوي من منابع الثقافة ما يثري معرفة الفرد بمراحل، ناهيك عن أنه لا يوجد قانون يمنع تحصيل الثقافة مع الاستمتاع، فلا يجب أن تكون متجهمًا لتكون مثقفًا.

دور الأدب في بناء الحضارات

إن نظرنا للحضارات السابقة سنجد الأدب يضرب عميقًا في أساسها، فلا توجد حضارة واحدة؛ مصرية قديمة، يونانية، آشورية، مايا، صينية ..الخ لم تبنَ على القصص والأساطير وهي الجد البعيد للأعمال الأدبية بشكلها الحالي.

فهذه الأساطير عند تحليلها وقراءتها بعناية سنجد أنها تؤسس للقيم، لبناء المجتمعات، بل كان بعضها هو محاولات البشر للبحث عن الله والدين والاهتداء، بل الكثير من الأفكار العلمية بدأت كقصة في أسطورة أدبية قرر عالم أن يخضعها للتجربة والتحقّق، لذا فمن الأدب نشأت المعرفة البشريّة التي بنيت عليها ثقافة البشر مستقبلًا، ومن هنا كان دور الأدب في تعميق الثقافة .

لا أدب بلا لغة ولا ثقافة كذلك

اللغة هي أحد أهم العوامل المشتركة بين الأدب والثقافة، فلا يمكن إنشاء أي نوع أدبي إلا باستخدام جيد وسليم للغة، فالأدب بلا لغة هو رصّ لكلمات لا جزالة فيها ولا أفكار، والثقافة كذلك، فمن الصعب على من لا يعرف القراءة والكتابة أن يتثقّف.

لذا فكلما كان الأدب أكثر جودة ولغته أعلى رقيًّا، كلما أثرى معارف قارئه بالجديد من المعارف، فهذه صور بيانية مبدعة في رواية مشوّقة، وهذا جرس موسيقي في بيت شعر، فتسمو روحك أكثر وأكثر ليتفتح عقلك على استيعاب الجمال وتذوّق المعنى، وانفتاح العقل على كل ما هو قيم وجديد.

الموسوعات في المكتبات وعلى أجهزة الموبايل

الكثير مرة أخرى يخلطون بين معرفة معلومات برامج المسابقات، مثل: أطول نهر في العالم، وأقدم مدينة في التاريخ، وعدد عظام جسم الأنسان، وبين الثقافة، فهذا النوع من المعرفة هو أبعد ما يكون عن الثقافة، هو فقط حفظ جيد لمعلومات يمكن الحصول عليها قديمًا بإخراج الموسوعة من رفّ المكتبة، وحديثًا بضغطة ذر عبر محرك بحث جوجل.

أما الثقافة فهي قدرتك على قراءة ما وراء السطور، على التحليل والفهم، على التخطّي لما هو أعمق من سطح النصح الواضح لعمق معانيه وترتيب أفكاره، هي فهم فلسفة الحياة وقدرتك على أن تفهم وترصد وتحلّل وتخرج برأي نابع من داخلك ومن عقلك أنت.

دور الأدب في تعميق الثقافة
دور الأدب في تعميق الثقافة

لذا أي نبع يمكنه أن يأخذك معه لتفهم النفس البشرية من الأدب، لتتعمّق في حيوات البشر ودوافعهم، جملهم القريبة والتي ترمي لما هو أبعد، فسواء تعمّقت في النصّ الأدبي نفسه بحكايته وحواره وشخوصه، في مأساة وملهاة أبطاله ورؤاهم ودوافعهم، أو تعمقت في مقصد الأديب من النص، في رؤيته في منهجه ورسالته التي يريد أن يوصلها لعقلك.

كل هذا هو دور الأدب في تعميق الثقافة حقًّا، فالأدب يعمل كالمعلّم والصديق والمدرب في هذه الحالة ليصل بك بأن تجيد استخدام عقلك في التفكير للخروج برؤيتك الخاصة.

الأدب يأخذك لمناطق لم تحلم يومًا بالوصول إليها

أخيرًا فإن الأدب باستطاعته أن يرحل بك بعيدًا دون أن تغادر مقعدك، فأنت اليوم تنهل من معرفة هوميروس وأنت تعيش مع أبطاله أخيل وهكتور وأجمامنون في الإلياذة.

وغدًا تذهب إلى الجحيم مع دانتي لتترك وراءك كل أمل كما تقول النقوش على جدرانه، أما اليوم فستعيش مع أسرة صينية بسيطة في فترة المجاعة في الأرض الطيبة حيث تعاني مع خيال بيرل باك، وتعيش الوطن في أبيات أحمد مطر.

تقاتل مع العبيد من أجل الحرية في سبارتكوس، وتتعرف على مشاعر مقامر تودي به المقامرة مورد التهلكة في “المقامر” لديستوفيسكي، تعيش تناقض رجل الأسرة القوي في بيته والمتناقض خارجة في الثلاثية بين حروف نجيب محفوظ، وتتعرّف على نكبة الأندلس في ثلاثية غرناطة وأفكار رضوى عاشور.

وهكذا تجد مع كل كتاب أدبي تنهل من أفكاره أنك ازددت ثقافة ومعرفة، بالتاريخ والعالم والنفس البشرية بالجغرافيا والفلسفة والعلوم، وفي كل كتاب ترحل لتنهل من نبع الأفكار لتعود وأنت أكثر معرفة ثقافة.

إن دور الأدب في تعميق الثقافة كان منذ الأزل ولن ينتهي حتى تجفّ كافّة الأحبار على وجه البسيطة، وتجف قريحة البشر عن إبداع المزيد من الأدب.

485 مشاهدة