من القائل ياليتني لم اشرك بربي احدا

من القائل ياليتني لم اشرك بربي احدا

من القائل ياليتني لم اشرك بربي احدا ؟ قص الله القصص في كتابه العزيز، وضرب الأمثال لكي يقرب الأفهام إلى عباده، فلابد للمسلم أن يتبحر في معاني القرآن العظيم، ويأخذ منها الدروس والعبر، وفي هذا المقال سنبين من القائل ياليتني لم اشرك بربي احدا، وسنبين قصة صاحبها وسبب قوله هذا، وسنستخرج من قصته الفوائد والدروس والعبر التي تنفع المسلم في دنياه وآخرته.

من القائل ياليتني لم اشرك بربي احدا

القائل ياليتني لم اشرك بربي احدا هو صاحب الجنتين، واختلف في اسم صاحب الجنتين وصاحبه، فقال الكلبي: نزلت في أخوين من أهل مكة مخزوميين، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد، وهما الأخوان المذكوران في سورة” الصافات” في قوله تعالى: ( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ)[1]، ورث كل واحد منهما أربعة آلاف دينار، فأنفق أحدهما مال في سبيل الله وطلب من أخيه شيئا فقال ما قال، ذكره الثعلبي والقشيري، وقيل: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة، وقيل: هو مثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر”، وقيل: اسم الخير منهما تمليخا، والآخر قرطوش، وأنهما كانا شريكين ثم اقتسما المال فصار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فاشترى المؤمن منهما عبيدا بألف وأعتقهم، وبالألف الثانية ثيابا فكسا العراة، وبالألف الثالثة طعاما فأطعم الجوع، وبنى أيضا مساجد، وفعل خيرا، وأما الآخر فنكح بماله نساء، واشترى دواب وبقرا فاستنتجها فنمت له نماء مفرطا، واتجر بباقيها فربح حتى فاق أهل زمانه غنى.[2]

قصة صاحب الجنتين

أورد الله سبحانه وتعالى قصة صاحب الجنتين في القرآن الكريم، في سورة الكهف قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً)[3]، فقص الله تعالى هذه القصة على نبيه الكريم، لتكون موعظة لقومه، وضرب مثلًا للمشركين وأمثالهم من المتكبرين، فهذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين، وذلك المثل هو حال رجلين، وقد كان أحدهما غني جدًا صاحب بستانين من أعناب، محاطين بنخيل، وفي وسطهما الزروع، وقد شق الله وأجرى وسط الجنتين نهرا، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي جميع الجوانب، وكان صاحب الجنتين كافر مغتر بدنياه، وصاحبه الآخر مؤمنٌ بالله حقّ الإيمان؛ وأن ما أعدّهُ الله تعالى للمؤمنين في الآخرة عظيم، والرجلان كانا من بني اسرائيل، وكان لصاحب البستانين أنواع أخرى من المال بسبب التجارة وتنمية ثمار الأرض، وقد أدت هذه الأموال إلى إغترار وتكبر صحابها بها، فقال صاحب هاتين الجنتين لصاحبه المؤمن الفقير، وهو يجادله ويخاصمه ويحاوره الحديث، ويفتخر عليه: أنا أكثر منك أمولاً، وأعز نفرا، أي أكثر خدما وحشما وولدا، وأقوى عشيرة ورهطا يدافعون عني، وأخذ بيد صاحبه المؤمن يطوف به في بستانه ويريه إياها، وهو ظالم لنفسه لأنه أدخل نفسه النار بكفره فظلم نفسه بفعله هذا، وقال: ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدًا، وما أظن أن يوم القيامة آت، وإن كان بعث فكما أعطاني الله هذه النعم في الدنيا فسيعطيني أفضل منه لكرامتي عنده ومكانتي لديه، وأنه لولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا.[4]

هلاك الجنتين

أنكر صاحبه المؤمن عليه قوله هذا وقال له محذرًا: كيف تكفر بمن خلقك وقد كنت تربا، وجعلك معتدل القامة والخلق، صحيح الأعضاء، وكمّلك إنسانا تاما، وقد وصفه صاحبه بأنه كافر بالله، جاحد لأنعمه لشكه في البعث، وقال المؤمن: أما أنا فقد أمنت أن الله هو ربي وخالقي ولن أشرك به أحدا، ووبخه ووصاه أنه إذا أعجبتك جنتيك حين دخلتها ونظرت إليها، فيجب عليك أن تحمد الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك، وإنك إذ تنظر إلي بأني أفقر منك في المال، وأقل منك أولادا وعشيرة في هذه الدنيا الفانية، فإني أتوقع انقلاب الحال في الآخرة، وأرجو أن يعطيني الله خيرًا من جنتك في الدار الآخرة، ويرسل على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى عذابًا من السماء، وأن تصحبح جنتك أرضا بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا تثبت عليها الأقدم لملاستها، وهي أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض، وقد اسجاب الله دعاء العبد المؤمن، فأهلك الله جنة الكافر، فأصبح الكافر يقلب كفيه، أي يضرب إحدى يديه على الأخرى ندمًا، فقد أصبحت أملاكه ساقطة على سقوفها، فجمع عليه بين هلاك الثمر والأصل، وهذا من أعظم الجوانح، على بغيه، فقال الكافر: يا ليتني لم أشرك بربي أحدا، أي يا ليتني عرفت نعم الله علي، وعرفت أنها كانت بقدرة الله ولم أكفر به، وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم.[5]

فوائد من قصة صاحب الجنتين

إن قصة صاحب الجنتين مليئة بالدروس والعبر، وفيما يلي هذه الفوائد:

  • الاعتبار والاتعاظ بحال من أنعم الله عليه نعمًا دنيوية، فألهته عن آخرته وأطغته وعصى الله فيها.
  • أن الافتخار بالأموال والأملاك، وعدم نسبتها إلى الله سبحانه وتعالى، سبب لهلاك صاحبها في الدنيا والآخرة.
  • يجب على صاحب النعمة إذا اعجب بها أن يشكر الله، ويحمده لكي يديم الله عليه هذه النعمة، ويزيدها من فضله ويبارك فيها.
  • أن الله يختبر عباده بالنعم، لكي يرى هل يشكرون بها، أم يكفرون ويتجبرون بها.
  • عدم الركون إلى الحياة الدنيا، والإغترار بها، فهي زائلة، والعمل للآخرة فهي دار البقاء والحساب.
  • أن من أنكر البعث، والحساب يوم الأخرة فهو كافر، فقد وصف المؤمن صاحبه بالكفر بسبب إنكاره البعث والحساب.
  • أن امتداد الله للإنسان بالمال والأملاك، والسلطة والعز ليس دليلًا على رضاه عنه، فصاحب الجنتين كان قويًا وغنيًا، ولكنه كافر مستحق لغضب الله وسخطه في الدنيا والآخرة.
  • حقارة هذه الدنيا من أولها إلى آخرها، فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب.
  • أن المؤمن يجب عليه أن ينصح ويذكر ويعظ من كان على ضلال، فقد نصح المؤمن صاحب الجنتين لما رأى الكفر عليه.
  • ينبغي للإنسان إذا أعجبه شيء أن يقول (مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) حتى يفوض الأمر إلى الله لا إلى حوله وقوته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأَى شيئًا فأعجبه قال ما شاء اللهُ لا قوةَ إلا باللهِ لم يضرُّه).[6]
  • لاحرج على المؤمن أن يدعي على الظالم بمثل ماظلمه، وأن الله يستجيب لدعاء عباده المؤمنين.
  • أن الندم بعد فوات وقته لاينفع صاحبه.
  • أن من خذله الله فليس له ولي، ولا ناصر ينصره من عذاب الله، وأن من أشرك بالله فقد استحق العقاب والعذاب بفعله.

بينا في هذا المقال من القائل ياليتني لم اشرك بربي احدا ، فهو صاحب الجنتين وأن العلماء اختلفوا في اسمه على أقوال كثيرة، وبينا أيضًا قصة صحاب الجنتين وصاحبه المؤمن، واستخرجنا الفوائد والعبر التي ينتفع بها المسلم، وتعينه على القرب من الله عز وجل.

المراجع

  1. ^سورة الصافات - الآية 51 , 2020-12-13
  2. ^quran.ksu.edu.sa , الجامع لأحكام القرآن , 2020-12-13
  3. ^سورة الكهف - الآية 32 , 2020-12-13
  4. ^التفسير المنير، د وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر - دمشق، صفحة 252، جزء 15. , 2020-12-13
  5. ^التفسير المنير، د وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر - دمشق، صفحة 253، جزء 15. , 2020-12-13
  6. ^الراوي : أنس بن مالك | المحدث : الهيثمي | المصدر : مجمع الزوائد الصفحة أو الرقم: 5/112 | خلاصة حكم المحدث : [وفيه] أبو بكر الهذلي ضعيف جدا , 2020-12-13

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *