هل الأموات يتزاورون

كتابة سندس - تاريخ الكتابة: 19 مايو 2021 , 18:05
هل الأموات يتزاورون

هل الأموات يتزاورون ؟ هو عنوان هذا المقال، ومن المعلوم أنَّ الدنيا دار فناء، وأنَّ الموت هو نهاية كلِّ مخلوقٍ، وقد جاء ذلك صريحًا في كتاب الله -عزَّ وجلَّ- حيث قال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ}، لكن هل بعد فناء الدنيا حياةٌ أخرى قبل قيام الساعة وبدئ اليوم الآخر؟ وماذا يفعل الأموات في قبورهم؟ هذا ما سيتمُّ بيانه في هذه المقالة.

هل الأموات يتزاورون

ذهب ثلةٌ من أهلى العلم إلى إثبات زيارة الأموات المنعمِّين في قبورهم بعضهم لبعض، مستدلين على ذلك بجملةٍ من الأدلة، وسيتمُّ في هذه الفقرة ذكر هذه الأدلة مع بيان وجه الدلالة منها، وفيما يأتي ذلك:[1]

  • قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً}، وهذه المعية ثابتة في الدنيا وفي حياة البرزخ وفي الدار الآخرة.
  • قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي}، ووجه الدلاة من ذلك أنَّ معنى الآية الكريمة كوني معهم وادخلي في جملتهم، ومن المعلوم أنَّ هذه الآية تُقال للروح عند الموت.
  • قوله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ}، ووجه الدلالة من ذلك أنَّ استبشارهم بإخوانهم يلزم منه بقاء أرواحهم.
  • ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- حيث قال: “ذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنْ الأَرْضِ فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا. فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ ـ كساء من شعر ـ فَيَقُولُونَ : اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ فَيَقُولُونَ مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ”، ووجه الدلالة من ذلك قوله: أمَّا أتاكم، حيث يدلُّ هذا السؤال على لقاء الأموات وتزاورهم فيما بينهم.

شاهد أيضًا: حكم دعاء أصحاب القبور وطلب الرزق من الأموات

هل الأموات يشعرون

هذه المسألة من المسائل الجليّة التي تباحث فيها العلماء؛ فقد اختلفوا فيما إذا كان الموتى يشعرون بالأحياء ويسمعون كلامهم وهم في القبور أو لا؛ فمن العلماء من قال بذلك، ومنهم من نفاه، وبيان ما ذهبوا إليه فيما يأتي:[2]

  • ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الميت يشعر بمن يزوره ويعوده في القبر، وقد استدلّ أصحاب هذا القول بما ذهبوا إليه بالأدلة الآتية:
    • ما ورد في الصّحيحَين: أنّ النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال عن الميت إذا تركه أهله بعدما دفنوه: “إنَّ الميتَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ، إنّهُ ليسمَعُ خَفقَ نِعالِهمْ إذا انصَرفوا، وفي روايةٍ: إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ، وتَولّى عنهُ أصحابُهُ”، وفي هذا الحديث إشارةٌ واضحةٌ ومعلومةٌ صريحةٌ أنّ الميِت بعد أن يوضَع في قبره ويُهال التّراب عليه، ثمّ يغادر أهله وأحبابه قبره، فإنّه يسمع صوت نِعالهم وهم يغادرون القبر.
    • ما ورد في حديث خِطاب النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لِقتلى بدر من المشركين؛ فقد ورد في الصّحيح: “أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ترك قتلى بدرٍ ثلاثًا، ثمّ أتاهم فقام عليهم فناداهم، فقال: يا أبا جهلِ بنَ هشامٍ! يا أميّةَ بنَ خلفٍ! يا عتبةَ بنَ ربيعةَ! يا شيبةَ بنَ ربيعةَ! أليس قد وجدتم ما وعد ربُّكم حقًّا؟ فإنّي قد وجدتُ ما وعدني ربي حقّاً، فسَمِع عُمَرُ قول النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: يا رسولَ اللهِ: كيف يسمعوا وأنّى يُجيبوا وقد جِيفوا؟ قال: والذي نفسي بيدِه ما أنتم بأسمعَ لِما أقول منهم، ولكنّهم لا يقدرون أن يُجيبوا، ثمّ أمر بهم فسُحِبوا، فأُلقوا في قليبِ بدرٍ)، فالنّاظر إلى كلام رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يجد صريحًا منه قوله بسماع الموتى كلامَ الأحياء، حين قال لعُمَر: “ما أنتم أسمع لِما أقول مِنهُم”، ولكنّه نفى عنهم صفة القدرة على الردّ على ما يسمعون، فأثبت السّماع لهم ونفى الكلام عنهم.
    • ثبت أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- كان يأمر الصّحابة بالسّلام على أهل القبور، ممّا يدلُّ على أنّهم يسمعون كلام الأحياء؛ إذ لو كانوا لا يسمعون لما أمر النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بذلك، وإن أمر به في حال كونهم لا يسمعون كلام الأحياء لكان أمرُه لَغوًا وحاشى أن يكون في أمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لغوٌ أو شيءٌ بلا معنىً أو هدف.
  • أنكرت السيّدة عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- مسألة سماع الموتى لكلام الأحياء، وقد وافقها في ذلك جماعةٌ من الحنفيّة وبعض العلماء المُعاصرين، مثل: ابن باز، وابن عثيمين، وغيرهما، وقد استدلّت السيّدة عائشة على ما ذهبت إليه بقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}، وبقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}، أمّا سماع أهل القليب للنبيّ عندما خاطبهم بعد معركة بدر فيرَون أنّه معجزةٌ خاصّةٌ بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وأنّ ذلك لا يصدق على غيره من الخَلق، وأمّا حديث “يسمع خَفق نِعالهم حين يولّون عنه”، فقالوا: بأنّ هذا الأمر خاصّ بالميت عندما يوضع في القبر مباشرةً، فإنّ الرّوح تعود إليه حتّى يُحاسِبه المَلَكان.

شاهد أيضًا: حكم التبرع بالأعضاء هيئة كبار العلماء

هل الأموات يعذبون في قبورهم

اتفق أهل السنّة والجماعة من علماء المسلمين على حقيقة وجود عذاب القبر، وأنّ الإنسان في القبر إمّا أن يكون في نعيم أو في عذاب، وتلك هي الحياة البرزخيّة كما عبّروا عنها،[3] واستدلوا لذلك بعدة أدلة، وفيما ياتي ذكرها:

  • قول الله -عزّ وجلّ- في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}،[4] حيث قالوا إنّ آل فرعون على الرغم من موتهم يُعرضون على النّار غدوًّا وعشيًّا كما في الآية الكريمة، ممّا يدلّ على وجود عذاب القبر.
  • قوله تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}،[5] ومن المعلوم أنَّ البرزخ هو عذاب القبر أو نعيمه، وهو الحاجز الذي بين الحياة الدنيا واليوم الآخر.
  • ورد عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- من استعاذته من عذاب القبر في أكثر من موضع، ممّا يدلّ على وجوده وثباته، أمّا المعتزلة وبعض الطوائف الأخرى غير المعتبرة عند أهل السنّة أنكروا عذاب القبر وزعموا عدم وجوده.

شاهد أيضًا: السورة المنجية من عذاب القبر

وبذلك تمَّ الوصول إلى ختام هذا المقال، والذي تمَّ في بيان أحوال الأموات في قبوره، حيث تمَّت في الإجابة على سؤال هل الأموات يتزاورون؟ وسؤال هل الأموات يشعرون؟ وسؤال هل الأموات يعذبون.

المراجع

  1. ^ islamqa.info , https://islamqa.info/ar/answers/20820/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%B2%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%88-%D9%8A%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%88-%D9%8A%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%B9%D8%B6%D9%87%D9%85-%D8%A8%D8%B9%D8%B6%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D9%88%D8%B1 , 19/5/2021
  2. ^ islamweb.net , https://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=4276 , 19/5/2021
  3. ^ islamqa.info , https://islamqa.info/ar/10547 , 19/5/2021
  4. ^ غافر: 46
  5. ^ المؤمنون: 100
167 مشاهدة